أحمد الشرباصي

118

موسوعة اخلاق القرآن

« إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ » وفي الشورى : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ » . وفي التغابن : « وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ » . ووصف اللّه بالشكر معناه إنعامه على عباده ، وإثابتهم على ما قاموا به من العبادة . . وفي « تهذيب اللغة » أن الشكور اسم من أسماء اللّه تعالى ، وأن أبا إسحاق الزجاج فسّر معناه بأنه الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد ، فيضاعف لهم به الجزاء ، وقيل إن شكر اللّه لعباده هو مغفرته لهم ، والأول أظهر . والشكر كذلك صفة من صفات خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد - عليه أفضل الصلاة والسّلام - وعلى الرغم من أن اللّه تعالى قد أنزل على نبيه قوله : « إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ، وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً » ، فقد ظل - صلوات اللّه عليه وسلامه - عابدا قانتا ، متهجدا متقربا ، ليضرب المثل الأعلى في خلق الشكر ، ولقد روي عن عطاء أنه قال : « دخلت على عائشة - رضى اللّه عنها - فقلت : أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فبكت وقالت : وأي شأنه لم يكن عجبا ؟ أتاني ليلة فدخل معي في فراشي ، حتى مسّ جلده جلدي ، ثم قال : يا ابنة . أبي بكر ذريني أتعبّد لربي . قلت : إني أحب قربك ، لكني أوثر هواك . فقام إلى قربة ماء ، فتوضأ فلم يكثر صبّ الماء ، ثم قام يصلي ، فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى ، فلم يزل كذلك يبكي حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما يبكيك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ . قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ولم لا أفعل ذلك وقد أنزل اللّه تعالى علي : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ